الشيخ محمد علي طه الدرة

665

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هذا وفي الآية إشارة إلى أنّ صدقة السرّ أفضل من صدقة العلانية ؛ لأنّه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار ، وقدّم السرّ على العلانية ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [ 271 ] . والجملة في الآية الكريمة مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله ، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات ؛ حتّى إنّ النفقة على الأهل تدخل في ذلك ، فعن سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال له : « وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلّا أجرت عليها حتّى ما تجعل في في امرأتك » رواه البخاريّ ، ومسلم . وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إذا أنفق الرّجل على أهله نفقة ، وهو يحتسبها ؛ كانت له صدقة » ، رواه البخاريّ ، ومسلم ، والترمذيّ ، والنسائيّ . هذا ؛ وبين الليل والنّهار ، وبين السرّ والعلانية طباق لفظيّ ، وهو من المحسّنات البديعية . هذا ؛ و ( ينفقون ) ماضيه : نفق ، قال الزمخشري رحمه اللّه تعالى : إنّ كلّ ما فاؤه نون وعينه فاء ، يدلّ على معنى الخروج والذّهاب ، مثل : نفق ، ونفخ ، ونفذ ، ونفش . . . إلخ . هذا ، والمال قال فيه ابن الأثير : المال في الأصل : ما يملك من الذّهب ، والفضة ، ثم أطلق على كلّ ما يقتنى ، ويملك من الأعيان ، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل ؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم ، وقال الجوهري : ذكر بعضهم : أنّ المال يؤنث ، وأنشد لحسّان - رضي اللّه عنه - : [ البسيط ] المال تزري بأقوام ذوي حسب * وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضّبيّ : المال عند العرب الصّامت ، والناطق ، فالصّامت : الذهب ، والفضة ، والجواهر ، والناطق : البعير ، والبقرة ، والشاة فإذا قلت عن بدوي : كثر ماله ؛ فهو النّاطق ، وإذا قلت عن حضريّ : كثر ماله ؛ فهو الصامت . هذا ؛ والنّشب يطلق على المال الثابت ، كالضياع ، والدور ، وقد قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي - رضي اللّه عنه - في ذلك : [ البسيط ] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا ، و ( الليل ) فهو واحد بمعنى الجمع ، واحدته : ليلة ، مثل : تمر ، وتمرة ، وقد جمع على : ليال ، فزادوا فيه الياء على غير قياس ، ونظيره : أهل ، وأهال ، وشبه ، ومشابه ، وحاجة ، وحوائج ، وذكر ، ومذاكر ، وكأنّ : ليلى في القياس جمع ليلاة ، وقد استعملوا ذلك في الشّعر ، وأنشد ابن الأعرابي ، وهو الشاهد رقم [ 66 ] من كتاب : « فتح القريب المجيب » : [ الرجز ] يا ويحه من جمل ما أشقاه * في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه واللّيل الشرعي : من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ، وهو أحد قولين في اللغة ، والقول الآخر : هو من غروب الشمس إلى طلوعها ، والنّهار ضد الليل ، وهو لا يجمع كما لا يجمع